محمد جمال الدين القاسمي

13

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

التي جاء بها مستأنفة ، ما يدل على المانع ، وهو اعتقاده أنه أفضل منه ، والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول ، مع ما في طيّها من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله . فالجملة متضمنة للجواب بقياس استدلاليّ ، وهي من الأسلوب الأحمق كما في قصة نمروذ . وقد علل ما ادعاه من الخيرية والفضل بزعمه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين ، لأنها جوهر نورانيّ ، وهو ظلمانيّ ، ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر ، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل ، كما أنبأ عنه قوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] أي : بغير واسطة ، وباعتبار الصورة . كما نبه عليه بقوله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * [ الحجر : 29 ] وباعتبار الغاية وهو ملاك الأمر ، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما بين لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض ، وأن له خواصّ ليست لغيره . وبالجملة فالشيء كما يشرف بمادته ، يشرف بفاعله وغايته وصورته ، والثلاثة في آدم عليه السلام دونه ، فاستبان غلطه . وفي ( اللباب ) أن عدو اللّه إبليس جهل وجه الحق ، وأخطأ طريق الصواب ، لأن من المعلوم أن من جوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب . وهذا الذي حمله ، مع سابقة شقائه ، على الاستكبار عن السجود لآدم عليه السلام ، والاستخفاف بأمر ربه ، فأورده ذلك العطب والهلاك . ومن جوهر الطين الرزانة والأناة والصبر والحلم والحياء والتثبت ، وهذا كان الداعي لآدم عليه السلام ، مع سابقة سعادته ، إلى التوبة من خطيئته ، ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة . و عن عائشة رضي اللّه عنها قالت « 1 » : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجانّ من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم » . رواه مسلم . تنبيه : روى ابن جرير بإسناد صحيح عن الحسن في قوله تعالى خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قال : قاس إبليس وهو أول من قاس . وأخرج أيضا بإسناد صحيح عن ابن سيرين قال : أول من قاس إبليس ، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس . ولذا احتج بهذه الآية من ذهب إلى عدم جواز تخصيص النص بالقياس ، وإلا لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الزهد والرقاق ، حديث 60 .